عيش كأنك تلعب
توفيت الشيخة ماما ريمتى في 15 مايو الماضي، ولم أعلم بالخبر إلا من خلال الصدفة بعد ذلك بثلاث شهور في شهر أغسطس، فزعت في البداية فلم أكن أظن أبداً بأن الآلهة الأمومية أمثال الشيخة ريمتى يمكن أن يموتون وحتى إن ماتوا فكيف يموتوا هكذا بصمت، أفهم أن الحكومة الجزائرية التي تجاهلت طوال الوقت الشيخة ريمتى وهمشتها لا تلتفت لخسارة مثل خسارة ماما ريمتى، لكن أين جمهورها ..أين صوتها
قررت في أغسطس وقتها أن أكتب تدوينه مؤجلة منذ فترة طويلة، لكن كما يمكنكم الملاحظة فقد تكاسلت، بعدها اكتملت الصدمات بتوقف موقع الشيخة ريمتى عن التواجد على انترنت، فكرت وقتها هل معقول أن يكون الموقع قد توقف لأنه لم يعد هناك من يدفع ثمن الإيجار مثلاً.. وازداد اصراري على كتابة التدوينة المؤجلة، لكن أخذنى ضغط العمل لكن حينما استمعت لديوان رشيد طه الثاني الصادر منذ عدة أيام فقط وجدت أنه لا يمكن تأجيل مثل هذه الفضفضة أكثر من ذلك، استمع الآن إلي أغنية ابن الإنسان لناس الغيوان؛ لذا احتاج فقط لنصف دقيقة لإعداد قائمة موسيقية مناسبة للأجواء الموسيقية التى سندخلها... اخلع نعليك أنك بالقصبة المباركة.
* * *
ظللت لمدة ثلاث أيام استمع لنفس للأغنية الوحيدة التي تمكنت من الحصول عليها لها ((قولوا رايكم/ اسمعونى واسمعكم ..)) الأغنية كانت على شريط كاسيت حصلت عليه بصعوبة شديدة، كنت أعرف فقط أنها للشيخة ريمتى ولم أكن أعرف عن ريمتي أكثر من التقدير الذي يذكرها به جميع مغنى الراي حيث ينطق اسمها مصحوب دائماً بكلمة ماما وخمسين عاماً من الموسيقي.
احتاج الأمر لشريط أخر يضم مجموعة من أغانيها المُختَارة لأصاب بلوثة كَاملة، كنت أمشي مُردداً الدخلة الموسيقية التي تكون مَصحُوبة بصوت واحد يقدم الفرقة كلها ويقدم الشيخة ريمتى ويحيي المنتج أو ممول الحفلة أو عريس الفرح، كمعظم أغانى ريمتى قبل الانتقال لفرنسا ومعظم الأغانى الشعبية في الجزائر أو مصر أو أى مكان في العالم.
بَنت ريمتى بالأسَاس شهرتها أثناء الحرب العالمية الثانية، وقتها كانت فتاة نشأت في الشوارع متنقلة بين الأرصفة وبيوت الدعارة وعلب الليل تمتلك فقط صوت قوي وزعرودة وصرخة تخلع القلب، وفي سنوات الحرب بَنت شُهرتها بشكل شفهى حيث كانت تؤلف أغانيها وألحانها الخاص التى حفظها الناس وأخذوا يرددونها ويرددون معها اسمها على طول وعرض الجزائر لكن ذلك كان يتم بشكل شبه سري، فالطبقة الوسطى لم تنظر أبداً للشيخة ريمتى أو الراي عموماً بأي نوع من التقدير وظلت أغَاني ريمتى أغَاني فَاحشة ودَاعرة بالإضَافة لاحتوائها على الشخيرِ والنخيرِ وغيرها من مُترادفات صوتها البري. لكنها سجلت أول أغانيه مع عام 1952 لتُرسخ مملكة عرشها.
ومع استقلال الجزائر ظهر هؤلاء العسكر المضروبين بالمد الناصري والقومى بكل أفكاره ولسبب أو أخر فقد منعوا ريمتى من الغنَاء في الإذَاعة، قيل بسبب أن أغانيها فاحشة، وقيل لأنها تمثل رمز من رموز العصر البائد وأدعى البعض أنه كانت تغنى أغَاني الحب والهيَام في الإذَاعات الفرنسية في الوقت الذي كان فيه الأبطَال يقودون معَارك التحرير؛ على الأغلب ريمتى شخرت لهم وتركت لهم الإذاعة وانتقلت لتكمل غنائها في الأفراح والموالد والحفلات و الكباريهات تدخن بشراهة وتشرب وتحشش وتهز وسطها ورقبتها بتلك الحركة الشهيرة وتخرج حرف الراء مهزوزاً من طرف لسانه وهى تقول ((الررررراي، الرررراي))
* * *
فيما يشبه العادة الفلكية يحافظ رشيد طه على إصدار ألبوم باسم ديوان كل ثلاث ألبومات، ألبوم يحمل اسم ديوان ويحاول فيه استعادة ماضيه الخاص، من موسيقي شرقية وغربية، رشيد الذي يقف الآن على مشارف الخمسين ضرب الشيب شعر لحيته وشعر رأسه، لكن عينه مازالت بنفس لمعته وفي وجه تلك اللمحة لولد صايع عركته شوارع أوربا وشمال أفريقيا.. يغنى رشيد في ألبومه لدهمان حراشي وزكريا أحمد وبيرم التونسي وعبد الحليم حافظ وبليغ حمدى، ويستعيد أغانى طفولته وذكريات الجزائر الضائعة منه امشي بصحبة رشيد الطفل وأمه في الحمام واسمع أصوات المداحين، والمس رائحة عراق العمال والمهاجرين الجزائرين الأوائل في الخمسينات والستينات
تأمل صورة بوستر رشيد طه الذى حاول فيها أن يشبه أباه، وشاهد أغنية الفيديو كليب لرشيد طه التى حاول فيها أن يشبه عمه الأفندي
* * *
في عام 1970 بينما كانت سعديه الغيزانية أو ريمتى كما عرفت عائدة من أحدى حفلاتها تعرضت لحادثة قاسية هزت استقرارها النفسي قليلاً، فركبت الطائرة وطلعت على مكة صلت ركعتين ولفت بالكعبة ثم عادت مرة ثانية توقفت عن التدخين والشرب، لكن لم يتغير شيء أخر
في موسيقها أو طريقة غنائها أو رقصها أو كلماتها وألحانها التى استمرت في الانتشار بين العمال والطبقات الفقيرة المهمشة مركزة على مواضيعها المفضلة الخمرة والجنس والغربة. كنت أنا هنا أغمض عيني حين اسمعها تقول ((ايوووو ييييييي)) اتخيل بشعرها المصبوغ والحنة الحمراء في يديها كساحرة أفريقية تجلسنى في الصحراء وتصدح بتعويذة لتربطها على قلبي.
لا أريد أن أترك نفسي لاستمر في استعراض المعلومات والحواديت عن ريمتي، لن اتحدث عن خلافتها في الثمانيات مع خالد وحسنى وبكائها على حسنى وتوقفها عن مهاجمته بعد استشهاده، أو أعمالها مع فرانك زابا، وريد هو تشيل بيرس، وروبرت فريب من فريق كينج كريمسون ... كل هذا ليس بالأمر الهام على الأقل في هذه اللحظة التى تختم فيها أغنية راح يبكى وصوتها يبتعد أبعد فأبعد

رغم كل العوائق والمصاعب الغارق فيها شاب مامى الآن في فرنسا، لكن ها هو ألبومه ليالي قد نزل الأسواق؛ مامى مازال مثل خالد يعانى من عقدة النقص اتجاه المشرق العربي ويسعي بشكل حثيث إلي النزول من مستواه في سبيل العمل مع مغنين وملحنين وموزعين من المشرق العربي أملا في الفوز باعتراف الجماهير العربية -التى تنظر باحتقار بالغ للهجة الجزائرية- به كمغنى عربي... لكن رغم كل هذا يقدم مامى ألبوم يحتوي على ما يمكن أن يبعث البهجة ومحمل بالكثير من أجواء القاهرة -التي سجل الألبوم فيها- بداية من الموسيقي وحتى بوستر الألبوم الذي يظهر فيه بأحد تاكسيات العاصمة وخلفه لوحة تأييد للقائد السيد محمد حسني مبارك، فقد صارت هذه اللوحات القماشية مع اسم السيد رئيس من معالم القاهرة. شاهد على هذا الرابط لمامى في القاهرة
Recent comments
2 hours 27 min ago
2 days 23 min ago
2 days 4 hours ago
2 days 5 hours ago
2 days 11 hours ago
2 days 11 hours ago
2 days 14 hours ago
2 days 20 hours ago
2 days 23 hours ago
3 days 2 hours ago