عيش كأنك تلعب
في تدوينته الأخيرة كتب "عم بخ" الشهير بميم الحاج فقرة ذات قدر كبير من من القوة الخادعة، لكنها تصلح كمفتاح لما سيلى، حيث يقول عم بخ:
" هذه المقدمة كانت ضرورية لأعلن أني أفضل المعنى والقيمة على المتعة، وأن هذه الأشياء هي محاور الإرتكاز الأساسية التي تقوم عليها حياتي، وإني قد أخاطر بأن أبدو ثقيل الدم وممل حين أتحدث عن أم كلثوم بوصفها (ممثلة لتقاليد غنائية عريقة) عن أعلن حبي لمغني تافه وإمعة مثل عمرو دياب، حتى وإن كان عمرو دياب أكثر شعبية بما لا يقاس من الفقيدة الممثلة."
في انفعال واضح، وعصبية زائدة مميزة لعائلات أولاد الحاج يعلن عم بخ، انحيازه للقيمة في مقابل المتعة –كأن المتعة ضد القيمة- بل يمتد في عنفه وعصبيته الغير مبررة أو مفسرة قائلاً أنه مستعد لأنى يفقد خفة دمه المرحه ولا يعلن عن حبه لعمرو دياب، مما يجعلنا نطرح سؤال هام، هل يحب عم بخ عمرو دياب؟ ألم يكن عمرو دياب السبب في أن يجلس عم بخ في البيت ولا يجد من يشتري منه ألحانه العبقرية؟ ألم نكن كلنا شهود على تدمير عم بخ على يد عمرو دياب، ثم تدمير دياب على يد تامرحسنى وأخوه أكرم حسنى بتاع سيد أبو حفيظة اللى طيظه بتحرقه. لماذا إذا يحب عم بخ عمرو دياب ويشعر بالخجل من الإعلان عن حبه.
على كل حال لننسي ما مضي. لكن الأمر ليس بهذا البساطة يا عم بخ، ليس ولن يكون بهذه البساطة. لم ولن ولا يوجد أى تعارض بين القيمة والمتعة، هذا لأن المتعة جزء من القيمة، ما يحدث فقط هو انحيازات لأنواع مختلفة من المتعة. خفف عن نفسك يا عم بخ، لا مشكلة من أن تعرب عن كرهك لعمرو دياب، ومحبو ام كلثوم ليسوا ثقلاء الدم على العكس هم أهل المزاج ع قديمه، أهل الكيف، من دون الحشيش –أحد آلهة المتعة الكبار- ما كانت أم كلثوم لتكون، من دون الانتشار والشعبية التى دمعها نظام ناصر لام كلثوم ما كانت اسطورتها لتكتمل. المتعة والشروط التجارية. عاملان أساسيان لا يمكن لنا أن نكون خارجهما، ربما فقط لفترة مؤقتة.
ساندرا بولوك وميريل ستريب
هذا الراجل عاش مظلوماً ومات مظلوماً، أوقعه شغفه السياسية وميوله الروحانية في مأزق التفرد. فلم يقبل به أى معسكر. لكن مكانه الحقيقي كان بيننا أيها الأخوة. لن يذكر هذا الراجل سوى هؤلاء الذين وهبهم الله تلك القدرة على التذكر وقراءة ما بين السطور. وايجاد الجواهر بين التراب.
مصطفي محمود ليس العلم والإيمان، ولا كتب صديقي الملحد. مصطفي محمود هو حالة ابداعية وفنية متكاملة، سطر خارج النص، وهامش داخل المتن. من مصطفي محمود لم نتعلم الطبيعة أو معلومات عن الكائنات الحية.. فكل هذا أشياء تافهه مرمية في الويكيبيديا ومتاحة للجميع. من مصطفي محمود تعلمنا جميعاً نحن محبيه أول قوانين الحياة المختلفة، قوانين الطبيعة التى كان يلقيها على مسامعنا ونحن نشاهد الطبيعة تتفاعل. حينما علمت بخبر رحيله المؤسف تذكرت صوته الدافيء في أحد الحلقات معلقاً على عجائب الصارصير
بس الدنيا كده، وربنا حيغفر... أكيد الصرصار حيحزن ع الخنفسه يومين وبعدين حيدورلو على خنفسة شابة جديدة.
حتوحشنا يا مصطفي
---------------------- ---
هامش: الصورة لمصطفي في منزله مع واحده من المعجبات.
ثلاث حفلات قدمها الفنان
الأردنى عزيز مرقة الأسبوع الماضي حيث طاف بفرقته مسرح مكتبة الإسكندرية، ثم الساقية،
وأخيراً جنينة الأزهر الخميس قبل الماضي مقدماً موسيقاه الجديدة التى يعرفها
بموسيقي "الراز".
الراز أيضاً هو اسم فرقة عزيز مرقة، والاسم مزيج بين ثلاث كلمات كلمات انجليزيه "الجاز، الروك، العربي". وهى الموسيقي التى تسعى الفرقة إلى تقديمها حيث نجحت بعض سنوات من التجارب في تقديم نوع موسيقي قد يختلف على تسميته من الناحية العلمية إلا أن بصمته خاصة.
بدأ مرقة ذو الأصل التونسي والأردنى الجنسية أول تجاربه الموسيقي أثناء دراسته الموسيقي في أمريكا، وهناك تبلورت لديه الأفكار الأولى لفلسفة موسيقي الراز، المزج بين طاقة موسيقي الروك، وهمهمات تنويعات الجاز والإحساس العربي. بدأ في عرض الفكرة على زملائه من الموسيقيين الشباب وتكونت فرقة موسيقي الراز لأول مرة من موسيقيين عرب وأجانب، ومن أمريكا أصدر مرقة أول أغنياته (القصة) التى انتشرت على الانترنت وتبادلها آلاف الشباب من خلال الإيميلات على الانترنت.
عاد مرقة بعد ذلك إلى عمان، وهناك تم إعادة تشكيل الفرقة من عازفين أردنيين، وأحييت مجموعة من الحفلات داخل الأردن ساهمت في تعزيز مكانة مرقة كصوت ذو نبرة جبلية وكلمات مغايرة. وكانت أشهر أغانيه والتى رددها خلفه الجمهور المصري الخميس قبل الماضي أغنية "ممسوس" والتى يعيد فيها استخدامات تيمات موسيقي الزار البدوية مضيفاً تنويعات على البيانو ومحولاً لحظات الحماسة في الزار إلى أصوات الجيتار الصاخبة.
في حفلة الجنينة بدا مرقة متوتراً في بداية الحفلة أمام جمهور مصري قدم خصيصاً ليستمع إلى أغانى مغرقة في اللهجة الأردنية، لذلك فبخفة دم نجاح مرقة في إضفاء نوع من المرح على الحفلة، ولتجاوز حاجز اللغة التى قد تبدو غامضة للمستمع المصري، كان يقدم قبل كل أغنية تلخيصاً موجزاً لمعانى الأغنية بالعامية المصرية. وكنوع من المداعبة للجمهور قد مرقة وفرقته توزيعاً للحن "الأروام" لسيد درويش لكنه لم يخضع لسلطة اللحن ويوظف جميع آلات الفرقة لنوتة درويش الموسيقية بل أضاف وحذف وركب، وفي الوقت الذى يلتزم فيه الناي والجيتار للحن درويش، يخرج مرقة بتنويعات مغايرة على البيانو، ثم يعود البيانو للالتزام بلحن درويش بينما يخرج الناي. لعبة الحذف والإضافة والتركيب التى يمارسها مرقة في الموسيقي التى يقدمها هى العنصر الأقوى الذي يجذب إليه الجمهور من مختلف اللهجات والجنسيات ويجعله يندمج مع ما يقدمه بغض النظر عن المضمون، الأمر الذي يجعل جمهور مصري من الشباب لا يتردد في أن يهتف باسم عمان داخل المسرح مطالباً عزيز بغناء واحدة من أغنياته عن مدينته الأم عمان.
--------------------------------- --
نشرت في أخبار الأدب بتاريخ 13 سبتمبر، باختصار وتصريف نظراً لظروف النشر الصحفي.
في صباح 8 ديسمبر عام 1980 وقف ديفيد تشابمان في أحد شوارع نيويورك ممسكاً بيده رواية "The Catcher in the Rye" للكاتب الأمريكى "جى. دى سالينجر J. D. Salinger. " وفي اليد الآخري أشهر مسدسه وأطلق خمس رصاصات على المغنى البريطانى "جون لينيون" لينهي حياة أهم أيقونة موسيقية في الستينات والسبعينات. وحينما تم إلقاء القبض على تشابمان رفض الإدلاء بأى تصريح أو تبرير جريمته مكتفياً بتقديم نسخته من رواية سالينجر وقد كتب عليها "هذا اعترافي". كان تشابمان يري أن جزء منه هو شخصية هولدين كالفيلد Holden Caulfield المراهق ذو 16 عاماً بطل رواية سالينجر والناقم على كل ما حوله الشاعر بالملل من زخم الأفكار المجردة والنظريات المفروضة عليه.. والساعي لتدميرها.
اغتيال جون لينون كان إشارة واضحة أن نموذج المغنى الرومانسي صاحب الشعر الطويل والأغانى العاطفية والنضالية ذات الميول اليسارية لم يعد مطلوباً. كانت الحداثة في مراحل احتضارها الأخيرة. لم تكن الأفكار الكبري والنظريات الضخمة هى فقط التى تواجه نوعاً من الانكماش بل أيضاً المنتجات الفنية التى صنعت مجدها اتكاءً على هذه الأفكار. وعلى رأسها بالطبع أعمال جون لينون صاحب أغانى "تخيل/imagine "وقوة الشعب power to the people " .
وفي عام 1982 قدم مايكل جاكسون البيان الأقوى لعصر ما بعد الحداثة الجديد متمثلاً في ألبومه الذي صنع مجده الموسيقي "Thriller". احتل الألبوم المرتبة الأولى كأعلى الألبومات الموسيقية مبيعاً في تاريخ العالم (104 مليون نسخة حتي لحظة كتابة هذه السطور) وكان خروجاً عن كل ما هو معتاد في الموسيقي والكلمات.
استكشاف المتع الجديدة
في أغنية Thriller لا يقدم مايكل أغنية عاطفية أو محملة بمفاهيم سياسية طوباوية، بل شيء أبسط من ذلك وأكثر حميمية بالذات. فالفكرة الأساسية في الأغنية تدور حول مفهوم الإثارة ليس بمعناها الجنسي أو العاطفي فقط بل إثارة الخوف. وفي الفيديو كليب يظهر مايكل متحولاً إلى ذئب متوحش يرقص مع الأموات الذين يستيقظون من المقابر. هذا التحول كان مخالفاً لصورة أى نجم شاب، يسعي إلي تقديم صورته الفنية في بداية مشواره.
لم يظهر جاكسون كشاب وسيم أو ثري، بل شاب يرتدى جاكيت أحمر يتحول إلى ذئب ثم فرانكشتين فقط ليخيف صديقته، ويجعلها تتذوق متعة الخوف. كل هذا مصاحباً لجرعة مكثفة من المتعة البصرية والموسيقية قوامها الخيال الأسطوري المجرد من أى عمق فكري. كانت الأغنية هى التطبيق الفعلي لأفكار جان فرانسو ليوتار حول الإعلاء من قيمة ما هو جمالي بديلاً للعقلانية الديكارتية والكانطية. وبقدر من المبالغة يمكننا أنى نري الأغنية تمثيلاُ لما دعا إليه إيهاب حسن في "جماليات الصمت" من تقديم فن غير شفاف يقاوم الاستهلاك والتأويل "فن يوجد في العالم كسطح حسي."
كانت المفاهيم تتغير وكان مايكل جاكسون إلى جانب "برنس" و"مادونا" هم الجيل الموسيقي الأمريكي الجديد الذين يغيرون كل تلك المفاهيم عن الموسيقي والفن والصورة. وقد راهنوا على الجسد والمتع الحسية التى يمكن ادراكها بالحواس الخمس كثوابت يمكن خلالها تحقيق أكبر قدر من التواصل مع جميع المتلقين بغض النظر عن عرقهم أو ديانتهم أو ثقافتهم. كانتThriller إعلاناً واضحاً لنهاية عصر المغني الرومانسي الذي قدمه ألفيس بريسلي وفرانك سناترا، ومعه عصر الغناء المرتكز على الأفكار المثالية ذات الصبغة اليسارية الذى قدمه فريق البيتلز وبينك فلويد، وبداية عصر الفنان خادم المتعة المجردة. العصر الذي سيصفه عجوز ذو مزاج رجعي كميلان كونديرا "بعصر الضوضاء". فلم تعد الموسيقي كما تعود عليها جيل كونديرا وسيلة لحمل أفكار أو تعبير عن مشاعر بل أصبحت هدفاً في حد ذاتها ومتعتها الأعظم هى قدرتها على تحريك الأجساد وبث الطاقة في المستمعين. هل يتشابه هذا مع ما قدمه أحمد عدوية في الثمانيات؟ ربما. لكن بينما تعرض عدوية للنبذ والتهميش من قبل السلطة والإعلام الرسمي حتى نهايته المأسوية. فالسلطة الأمريكية أدركت منذ اللحظة الأولي أهمية مايكل جاكسون وعرفت كيف تحاول استغلالها. ورغم أن جاكسون ظهر في وقت كان الحزب الجمهوري بنزعته المحافظة يسيطر علي الحكم ويتولي ريجان مقاليد الرئاسة إلا أن ريجان شخصياً استقبل مايكل في البيت الأبيض، وقدمته المؤسسة الرسمية كأيقونة موسيقية وإعلامية قادرة على التأثير في ثقافات العالم المختلفة في مواجهة ثقافة المعسكر الشرقي.
ابناً للثقافة الأمريكية لا السلطة
كان مايكل ابناً لثقافة رأسمالية قامت على الاستهلاك كمحرك للانتاج وبطبيعة الحال فالمتعة الصافية الخالية من أى منغصات فكرية كانت مفهوم أساسي في تلك الثقافة وذلك في مقابل ثقافة المعسكر الشرقي التى تمتلئ بأطنان الكتب والنظريات والبروستريكا والتروتسكيه.
وفي نفس الوقت لم تكن عبقريته الموسيقية نتاج عبقرية من خارج كوكب الارض (في مقابلة مع أوبرا وينفري صرح جاكسون في نوفمبر 2001 أنه يشعر أنه جاء من كوكب آخر اسمه كابريشو يقع خارج المجموعة الشمسية) بل هى تطوير مجتهد وذكى لموسيقي الصول والبوب، وكان مايكل يشير في كل مرة بأن أعمال مغنى الصول جيمس براون هى أكثر ما يلهمه ويؤثر فيه وهى موسيقي شعبية نمت في الشوارع الخلفية بعيداً عن دعم السلطة والثقافة الأمريكية الرسمية.
لذلك فابن موسيقي الشوارع أدرك مبكراً الدور الذي رغبت المؤسسة الرسمية الأمريكية في سجنه داخله كأيقونة إقليمية. وهو ما لم يكن بالدور الذي يرضي فنان مثله يدرك أهمية نفسه جيداً. والمتأمل لتاريخ مايكل الموسيقي كله يجد أنه لم يغن أبداً أى أغنية وطنية بل كانت أغانية دائماً ذات مضمون إنسانى عالمي. ففي عام 1985 على سبيل المثال اطلق حملته "نحن العالم/ "We Are the World" والتى كانت عبارة عن أغنية شارك في غنائها 45 موسيقي ومغنى أمريكي تبرعوا بكامل أجرهم وأرباحهم لصالح محاربة الفقر في أفريقيا. كان هذا المشروع بداية لمجموعة من المشاريع الخيرية والموسيقية التى سينظمها جاكسون أو يشارك فيها وكلها تتعلق دائماً بضحايا الحروب والفقر والأمراض المختلفة في الدول الأكثر فقراً.
كانت أغانى
مايكل دائماً تحتوى على هذه النبرة الواضحة من الغضب المميز لغرور المراهق، كانت
كلمات مثل الضرب، تكسير الحدود، تجاوز مفاهيم الصواب والخطأ تتكرر في معظم أغانيه
بالاضافة إلى القليل من البهارات الجنسية. لكن مع بداية اتسعينات اكتسب هذا الغضب
في كلمات مايكل بعداً سياسياً واسعاً تحديد حينما قدم أغنية "أنهم حقاً لا
يهتمون بنا/ They don't really care about us" كلمات الأغنية كانت أشبهه بهتافات على
خلفية موسيقي جاكسون المميزة، وكل هتافات معادية لمفهوم الحرية أو الليبرالية
المزيف، وضد كل أنواع السلطة، وعلى رأسها سلطة الشرطة. وفي الفيديو كليب الذي
اختار مايكل لاخراجه سبايك لى أحد الآباء المؤسسين لمفهوم السينما المستقلة يظهر
مايكل جاكسون داخل زنزانة محاطاً بصور ولقطات لعنف الشرطة والعسكر ضد المدنين من
جميع أنحاء العالم بداية من عنف الشرطة الامريكية ضد السود وحتى الشرطة الصينية ضد
المتظاهرين
لغة الجسد
في منتصف التسعينات كنت طالباً في المرحلة الإعدادية في إحدي المدارس بالكويت. وبطبيعة الحال كان الفصل الدراسي يتكون من خليط من الطلبة العرب من كل الجنسيات من تونس وحتى لبنان وفلسطين. ورغم هذا التباين فقد كان مايكل جاكسون هو الشيء المشترك بين جميع هؤلاء الطلبة العرب الذين لم تتجاوز أعمارهم الرابعة عشر. كان الجميع يسعي إلى تقليد طريقته في ارتداء الملابس. البنطال الأسود والقميص الأبيض المفتوح. هذا التأثير على مجموعة من المراهقين العرب في مدرسة في دولة خليجية صغيرة يدل ببساطة على مدى قوة وتأثير مايكل في ثقافة جيل كامل من الشباب لا في منطقة محددة فقط بل في العالم كله.
لم يتواصل جاكسون مع كل هؤلاء من خلال الكتب أو السينما أو أى وسيط آخر، بل كان جسده هو الوسيط الذى يتعامل من خلالها مع جمهوره. نجح مايكل في أن يحول جسده إلى أهم وسيلة تخاطب متجاوزاً حواجز اللغة. في 1985 قدم على أحد المسارح لأول مرة "مشية القمر" وهو طريقة السير التي ابتدعها حيث ينساب بقدميه إلى الخلف بدلاً من السير إلى الأمام وعلى المسرح اصطحب معه قرداً صغيراً يقلد حركته. بعدها ابتكر مايكل طريقته في هز الأكتاف كموجة تتحرك من الكتف الأيمن إلي الأيسر، إلقاء القبعة، تحريك ركبتيه في حركة متداخلة، الانحناء حتي الاقتراب من الأرض ثم الانتصاب مرة ثانية. كلها أحرف وكلمات تتشكل منها لغة مايكل جاكسون التى تحولت إلى لغة عالمية يمكن للجميع التواصل من خلالها.
لكي يصل مايكل إلى هذه المرحلة تطلب الأمر منه أن يعيد تشكيل جسده كما يريده. وما يبدو واضحاً فهو لم يرغب في جسد أسمر يمتلأ بالعضلات، بل أراد جسداً ناعماً يمكنه أن ينساب بنعومة وليونة مع الموسيقي. جسد تختلط فيه الأنوثة مع الذكورة متجاوزاً حاجز النوع. جسد يتجاوز حاجز الفناء والتفكك لهذا فقد أخضع جسده لعمليات التجميل، ووضعه بعيداً عن أي مؤثر خارجي ليحميه من عوامل التفكك أو التحلل. فهو يتنفس أوكسجيناً منقي، ويشرب ماءاً مكرر، وحينما يطل على جمهوره يرتدي قناعاً. بل وسعي إلى وضع نسخ من حمضه النووى في عدد من بنوك الأحماض النوويه حتى إذا أتت الفرصة المناسبة يمكن أن يتم استنساخه من جديد. كانت الخلود هو معركة جاكسون الآخيرة وكان المرض ومقاومة تحلل الجسد هو عدوه الذي سعي إلى الانتصار عليه، لكنه خسر المعركة الخميس قبل الماضي.
أسطورة أعلى من الواقع
استمر نجاح مايكل في تصاعد مدهش لم يتكرر مع أى فنان، كانت ألبوماته تحقق أعلي المبيعات في جميع أنحاء العالم، وحفلاته يتجاوز جمهورها مئات الآلاف يتصارعون للاقتراب من خشبة المسرح التى يقف عليها. وعلى الجانب الآخر كان مايكل يعيش في عالم آخر تخلط فيه الحقيقة بالواقع. اشتري ضاحية كاملة وبني فيها قصراً فخماً ومدينة ملاهى كاملة وأطلق على ضاحيته اسم "نيفر لاند" وهو اسم الجزيرة التي كان يعيش فيها بيتر بان بطل رواية "بيتر وويندى" للكاتب الاسكتلندى جى. ام. باري. والتى يمكننا من خلالها فهم الكثير من تركيبة مايكل الشخصية، حيث كثيراً ما كان يتماثل مع شخصية بيتر بان، الطفل الذي لا يكبر ويعيش طفولة أبدية يعزف على الناى ويمكنه الطيران. لهذا فقد كان يعيش دائماً محيطاً نفسه بالأطفال باحثاً عن طفولته الضائعة حيث عاش طفولة قاسية متعرضاً للضرب من قبل والده.
لذلك في عام 2003 اتهمت عائلة أحد الأطفال الذين كان يقيمون لفترات مؤقتة في بيت مايكل بالتحرش بابنها، واستمرت القضية من 2003 وحتي 2005 حيث حكمت المحكمة في النهاية ببراءة مايكل. لكن تلك المحاكمة كشفت عن تحولاً جديداً في جاكسون انتبه له المفكر البريطانى تيري إيجلتون الذي نشر بعد إعلان البراءة مقالاً هاماً بعنوان "الدروس المستفادة من محاكمة جاكسون" قدم فيه نقداً حاداً للطريقة السينمائية التى جرت بها المحاكمة، وباعتبار مايكل جاكسون رمزاً لما بعد الحداثة فقد قارن ايجلتون بين عمليات التجميل التى يقوم بها مايكل ورغبته في الخلود وإعادة تشكيل العالم ورغبة إدراة الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش في إعادة تشكيل العالم وفرض نموذج موحد للديمقراطية. لكن بغض النظر عن مدى صحة أو عدم صحة مقاربة ايجلتون إلا أنها تعطينا صورة واضحة عن الطبيعة الخاصة التي اكتسبها مايكل جاكسون في آخر سنواته حيث أصبح الأيقونة الأهم للحضارة الغربية، الأمر الذي جعل ناقد أكاديمى رصين كايجلتون يستخدمه كنموذج لنقد هذه الثقافة.
ترتيبات العودة
في أغسطس 2008 أكمل مايكل الخمسين عاماً، كان يحاول التعافي من الملاحقات القضائية والديوان المالية التى تراكمت عليه وبلغت ملايين الدولارات. وكان يعلق آمالاً كبيرة على الجولة الموسيقية التى سيقيمها في أوربا في صيف 2009. وحسب شهادات المقربين منه كان يتدرب باجتهاد كأنه شاب في العشرينات فجأة نام ذات يوم ولم يستيقظ مرة ثانية. انتهى جسد مايكل عن العمل لكن موسيقيه وتأثيره الثقافي سيظل مستمراً لفترة طويلة.
------------------- --- -------------- -
نشر هذا المقال بجريدة أخبار الأدب عدد 5 يوليو... بعد اختصاره لضرورات الناشر الصحفي. اللوحات المصاحبة للتدوينة من أعمال الفنان Helnwein.
بعد رسالتنا السابقة لأبو عمو في بلد المهجر الضبابية، وصلنا رده. والذى رأينا أن نشره سيكون فيه فائدة ونفع لمن رأى وفهم وتعلم واستوعب، علهم يعقلون، عليهم يعقلون يا أبو عمو.
عزيزي بيسو،..... .. . ....... ... ....... .... ... .. .. ................. .. ......... ................... ........... ... ... .... ........................... وقع خطابك الملحمي على قلبي برداً وسلاماً. ولما كانت درجة الحرارة هنا لازالت تحت الصفر بحوالى تلات أدوار على الأقل، فقد استدعى الأمر ارتداء كلسون صوف والتدثر بلحافٍ دمور أثناء القراءة.أما بعد، يقول فريق كلاش:
Now the king told the boogie men
You have to let that raga drop
The oil down the desert way
Has been shakin' to the top
The sheik he drove his Cadillac
He went a' cruisin' down the ville
معنى النص واضح في إشارته على الانحطاط الذي تسبب فيه ظهور النفط، وهو ما عربه رشيد طه تعريباً حسناً عندما قال أن "الشيخ يسوق الكاديلاك رعبت فى السنتر فيل....روك دو قصبا". ووجد ذلك أصداؤه عند شفيقة عندما صدحت بأن: الدنيا دى يابن آدم امتحان للعبد.
كل هذه المفارقات، وهو ما يعنى أن انحطاط الحضارات هو مصير لامفر منه مسطور في جيناتها منذ النشأة، كما يخبرنا تراث الروك السمح. ولا يختلف الأمر هنا ما بين حضارة وأخرى إذ أن الأمر يتعلق بقوانين الحتمية التاريخية والتي تلخصها العبارة الخالدة: إجرى يا ابن آدم جرى الوحوش غير رزقك لم تحوش...
ولما كانت كل الدلائل التي ذكرتها تشير إلى انحطاط مصر إلى قيعان سحيقة لم تطأها قدم إنسان من قبل، فكان عذاب الآلهة حقاً عليها كما تعلم. إذ يجب أن يفنى الفرع الفاسد ليستكمل الأصل نموه ومسيرته. وهنا فأنا أحثك أن تسارع بالهروب من القرية الظالم أهلها مع رهط من قومك تعرفهم وأعرفهم بالفطرة المؤمنة، ولا تنظرن خلفك فتكونن من الغابرين يا بيسو.
ولأني لا أعرف لك زوجة، فاختر من شئت من نسائك، وليخرجن معك فوزى، وكرشه، والنبيل نبيل وبسام مرتضى- وذلك لأنك كما تعلم يا عزيزي بيسو أن دخول جمل من ثقب الإبرة أسهل على الآلهة من دخول أهلاوى إلى ملكوت السماء- و الرفيقة سوسو، بهدف مراعاة بعد الجندر وحفظ النسل، والصحفي الأغر عمرو عزت والرفيق الصابر المحتسب محمد نعيم والفنان المبدع "أُحد"، إذ أن هذه اللحظات التاريخية قد تحتاج إلى توثيق، وأما أنا فسأخرج معكم ومعي حبيبتي الغريبة التي يستعصى عليها لفظ اسمي فتدعوني "أمر"، بتشديد الميم والراء..... ولا ينظرن أحد خلفه يا بيسو فيكونن من الغابرين...
فالعذاب محيق لا محالة وإن كان الأمر يحتاج إلى قريحة مبدعة هذه المرة فلمصر تراث من الضربات السماوية التي أصبحت معروفة وأقل إيلاماً من صواريخ القسام. فضرب مصر حالياً بالقمل مثلا سيصبح غير ذي موضوع. أما ضربها بالجراد فقد تم تجربته منذ أربع سنوات وأثبت المصريون قدرة عالية على التكيف معه.أما ضربة الدم فقد تولى المصريون أنفسهم تنفيذها، ولكم في الدويقة والعياط وبنى مزار أسوة وعظة.... الأمر إذاً يحتاج لتدخل نوعى يراعى التفاوتات الاجتماعية.
فأما من كان من عموم الناس، فسنطلق عليه السلعوة بعد أن نهدم الردم الذي بيننا وبينها لجهة الطريق الدائري فعيث فى الناس قتلا وتشويها. وقد أفنى الرفيق الصابر المحتسب، بقريحته التى لاتنضب وبصيرته التى لا تخيب، زمناً فى تنبيه الناس من شرور السلعوة حتى أن وصل الأمر إلى اضطلاعه بتحميل أول تسجيل حى للسلعوة على الشبكة العنكبويتية.
ستسيح السلعوة لثلاث ليال مابين الإباجية والتجمع الخامس، ومابين العمرانية والشيخ زايد، وتجمع الربوة، وما بين مدينة السلام وعزبة الهجانة حتى مدينة الرحاب..... وستسمع أنين العجائز وصراخ النساء وعويل الأطفال..... فلا تأخذنك شفقة أو رحمة، إنها النهاية الحتمية حتى يكون بدء... وتذكر....لا تنظرن خلفك فتكونن من الغابرين.
أما أيمن نور وقومه، فلن يفيقوا من غيهم إلا وموسى مصطفى موسى ورجب حميدة محيطين بهم داخل مقر مكتب أيمن في طلعت حرب. سيقف موسى، متخذا وضعية حمدي غيث في فيلم التوت والنبوت، ويصيح في أيمن: طلق مراتك... طلق مراتك. وهكذا ستنتهي إيزيس مصر العصر محظية في فيلا موسى في البدرشين.... وستسمع تأوهاتها في الفراش يابيسو.... فلا تنظرن خلفك....
أما ضياء رشوان، وصحبه من عشاق قلب الدولة -لا مؤاخذة- الصلب،فستفرض عليهم الخدمة العسكرية في أحد ألوية الجيش الثالث الميداني مشاة حتى يكونوا في كنف القلب -لا مؤاخذة الصلب- للأبد. وإمعاناً في التنكيل، فسيتحول العقيد عبد الله كمال إلى قائداً للوحدة مشاة ميكانيكي حيث يخدم رشوان وصحبه. وستراهم بسروايلهم الداخلية فى السادسة صباحاً شتاءاً واقفين فى ساحة ضرب النار يهتفون: ياقائدنا دوس دوس... عقلنا مالجوع مهووس.. أمريكا يادوب جراية... إسرائيل هيالغموس.... فلا تلتفت لهم وتذكر..... وألا تكونن من الغابرين.
أما رفاقنا في وسط المدينة فسنفتح عليهم براميل البراندى ال84 والفيل وروم راس العبد من مخازن الحرية وستيلا والهالجيان حتى تغرق شوارع المنطقة بالكامل. وأما ميلاد ووليم من مقهى الحرية فسيكونوا زبانية قائمين على تجريع، من دعيتهم صدقاً يا بيسو بالصراصير، الروم والبراندى كرها. وسيهرول رهط غفير باتجاه البارات التى تحتل أدواراً عليا كالأديون والكارلتون أو حتى النادى اليونانى، ولكن لا عاصم يومئذ من أمر الآلهة يابيسو. وستراهم بأم عينيك، منهم من يصل البراندى إلى وسطه ومنهن من يصل البراندى إلى نهودها العجاف، ومنهم من يسبح فى البراندى سباحةً.... فلا تنظرن إليهم يا بيسو وإلا كنت من الهالكين...
وأما نحن، أنا وأنت وفوزى، وكرشه، و نبيل النبيل وبسام مرتضى والصحفى الأغر عمرو عزت والفنان "أحد" والصابر المحتسب محمد نعيم والرفيقة سوسو، التى استطحبناها بهدف مراعاة الجندر وحفظاً للنسل وحبيبتى الغريبة التى يستعصى عليها اسمى فتدعونى "أمر" بتشديد الميم والراء...... فسنئوى إلى جبل المقطم. وبعد ستة أيام يعود البراندى الفاسد إلى ينابيعه وتغيض الأرض رومها وتذهب السلعوة طوعاً إلى ما وراء الردم. ويومئذ سنجلس لا لكى نتباهى ونتفاخر، ولكن لنتذكر وندرس..... قصة الكفاح ومشاقه، ومرارة الهزيمة وآلامها، وحلاوة النصر وآلامه....
وفى اليوم السابع سننزل إلى الشوارع المقفرة الخاوية على عروشها ليس فيها سوانا، سندخل إلى وسط المدينة من جهة صلاح سالم. ويومئذ لن يكون من النساء على وجه الأرض إلا إيفا جرين وكليومونص فونلادوسا المتدربة السابقة بوفد المفوضية الأوروبية بالقاهرة. ولن يكون من الشراب إلا الويسكى المولط والبلاك والبلو. ولن يكون من النادلين إلا عبد الله من الأستوريل.... سنسير سكارى فى هذه الشوارع التى تعرفها جيدا يابيسو. سكارى من أثر النشوة والويسكى وممتلئين بشبق البدء و العهد الآتى.... ولن يتردد ساعتها فى الأفق إلا صوت بلبل الصعيد "ياسين التهامي"صادحاً...
يا سائق الأبرار رفقاً بعبد مذنب/ رأى روحه للحب دٌعيت فلبتِ/ ويا سائراً في حي حبي وقاصداً/ حماه استقم واحذر سهام التلفتِ.
عزيزى أبو عمو، بعد التحية والسلام والشوق الذى يسطره عطر الأيام وتحمله أجنحة الحمام، تحية طيبة وبعد..
أما بعد، فاعلم يا أبو عمو أنك منذ أن فراقتنا والقلب بعدك ملثم حزين، ريح الخماسين تعصف بالأتربة، والرمال تكنس ميدان التحرير، لكن ادينا برضه بنزق، وحبه فوق حبه تحت..لكن ما يجعل القلب باكياً أن الناس اللى فوق مش بيحنوا على التحت، ولا كمان راحمين اللى تحت.
قالك أول هام الزنا حرام، ولأجل هذا جعلناكم شعوباً وقبائل لتتعارفوا لكن كله يبقي على يد المأذون، ولما تزوج الزوجان شعرا بالملل وهو من سنن الحياة كما تعلم، فقررا أن يتبادلا الأدوار ويستمتعا بالحياة، لكن لسبب ما أو لآخر قرر أحد الضباط القبض عليهم وهو ما حدث بالفعل، لكن بعد أن قبض عليهم اكتشفوا فجأة أن الرجل لم يخالف القانون... طيب الضابط ابن المتناكة راح قبض عليهم في الأول ليه؟
أن دل هذاعلى شيء يا أبوعمو فهو برهان جديد أننا نقف في منحدر تاريخى نحو نهاية الحضارة، فالضابط لا يعرف القانون، والقانون يتم تفصيله بعد القبض على المواطنين.. أى ببساطة كما قال القائل من خرائه اطبخ له واعجن له. لكن ما لك وما لى بهذه الأمور، سقطت ذراعك فالتقطها يا أبو عمو.
* * *
أحب أن أبلغك أن الرفاق كلهم حائرون يتساءلون ما هو مصير الزمالك التعس وإلى حد يمكن أن يتوقف تشرده وبؤسه، البعض كلما فتح الجريدة وقرأ عن حال الزمالك يجد نفسه منشداً تلك الأغنية البعيدة عن البلاد الضائعة القريبة "ليدين من حجر وزعتر/ هذا النشيد لأحمد المنسى بين فراشتين/ مضت الغيوم وشردتنى/ ورمت معاطفها الجبال وخبأتنى"
وفي مدخل الأهرام وقف الخبير الاسراتيجى ضياء رشوان يصرخ بأعلى صوته "اللى بيحصل دا غير شرعي/ الراجل دا غير شرعى" بينما أسامة سرايا يجذبه من ملابسه صارخاً "عيب يا رشوان، عيب يا رشوان.. من امتى هنتكلم في مشاكلنا أمام الفضائيات" ثم سحبه على ما يبدو أنه غرفة النوم، بينما مرسي عطا الله ينقل تجربة فشله في نادى الزمالك ويجتمع بالعمال، وهم يطبلون له ويغنون "مرسي.. مرسى،هوه هوه" لأجل هذا قال عم فوزى الأمر جلل وفيه خطر، بينما أشار كاتب ستينى بأصبعه وقال دليل آخر على تفكك الدولة، وعدل معلق رياضي من وضع رباطة عنقه وقال أن مرسي عطا الله يكرر فشله في الزمالك، أما أنا فقد تمخطت وبصقت عن يمينى، أنها نهاية الحضارة يا ابو عمو.
سعيد من استوريل لا يزال يقرض الشعر ويبلغك بأرق تحياته، ومحطة رمسيس ترتدى ثوباً جديداً استعداداً لوصولك في أى وقت، أما عمرو عزت فيطوف مصر من الشمال إلى الجنوب، مكتشفاً لأول مرة أن إمبابة ليست حدود العالم، مقدماً نوعاً جديداً من الكتابة الصحفية سيأتى يوم ينفجر فيه الأهرام أو يغرق تحت مياه مجارى السبتيه لتظهر صحافة جديدة، لكن حتى يأتى ذلك اليوم فأنت يا أبوعمو سيد من يعرف الحكمة الخالدة "خليها دا النوم أستار/ لما الهلف يأخد يومينه" ونحن سنرث غداً الأرض وما عليها؛ أما اليوم فقد سقطت ذراعك فالتقطها.. والتقطنى يا أبوعمو.
* * *
واجب على الحر، يتبع الصمت لما الندل يأخد مهاده. لأجل هذا حينما أوقفنى الخنزير البري في معرض الكتاب وقال لى "أنت شاب كويس، بس هتضيع نفسك،لازم تقاوم الاكتئاب" لم أرد عليه لأنى نذرت اليوم صوماً. وأشرت فقط إلى ما بين فخذي فحادث الخنزير البري "ما تيجى تمص لى شوية".
وهكذا تستمر الحياة يا أبو عمو، كل يوم تفتح البلاعات فتخرج الصراصير، وما أدراك ما هى الصراصير الجديدة يا أبو عمو، أحدهم مثلاً خرج من البيضة بالأمس ولا يزال يضرب العشرات وقف في أحد الحفلات يشرشح بالمعنى الحرفي للكلمة لرفيقة قديمة وصديقة عزيزة. حتى حفلاتنا يا أبو عمو.. لحظات الفرح المختلسة، أفراح البيرة، وجلسات النميمة الأليفة تم غزوها من قبل صراصير الصحافة، والأصعب أن كفرسول وبيرسول اختفيا من الأسواق ولم يعد هنا إلى"ريد" الذى لا يقضي على الصراصير بل يزيدها غباءاً ويعطيها القدرة أكثر على التكاثر، لهذا كله أقول لك أنها نهاية الحضارة يا أبو عمو.
* * *
ثم صادفتنى مزة، فصارحتها بمشاعري "أنا مش بتاع جواز، ولا فلوس.. أنا بتاع حنان بس" فقالت بيس، وباركتنى أمى سلام عليك يوم ولدت، ويوم تبعث حيا. ثم بعد يومين وصلتنا دعوة لحضور الذكري السنوية في مسجد الرفاعى لوفاة الملك فاروق!
طيب دا اسمه كلام يا أبو عمو، يعنى اروح مع المزة نسمع قرآن على روح الملك فاروق وقناة Otv تيجى تصورنا، هذه المرة أشرت إلى بيضانى وقلت "هذا فراق بينا وبينك".ومشيت باتجاه القلعة دخلت المتحف الحربي ثم توقفت أمام "متحف السجن" وهو إن لم تسنح لك الفرصة زنازين صغيرة، الزنزانة الأولى يوجد فيها نموذج من سجين العصر المملوكى، الزنزانة الثانية سجين من العصر الحديث، الفرق بين الاثنين أن سجين العصر الحديث يرتدى نظارات قراءة ويقرأ فيما يبدو أنه كتاب...
لكن أيمن نور ولله الحمد كان يكتفي بقراءة الجرائد حتى لا يرهق عينيه. هذا ما كان عن خبرأيمن، أما عن خالد يوسف فقد اصدر بالتحالف مع مجموعة من المنتجين ما يعرف الآن في الوسط والأرداف السينمائية بقرار إعدام سمية الخشاب، لكن مهما حدث، ومهما جري ستظل فلسطين في القلب، وسميه كمان في القلب، وأنا قلبي مساكن شعبية.
* * *
أحب أن أوصيك في نهاية خطابى بالوصية الأبوية الجميلة، الصلاة الصلاة، حافظ على الصلاة وخصوصاً الصلاة الوسطى، والأصبع الأوسط. دفء نفسك جيداً، واحذر الشرب مع الاسكتلنديين لأنه يورث الكآبة، ولا تكثر من البيرة مع الايرلنديين لأنها تورث اضطراب المعدة. وتذكر أن زمانك زمان الموبيلات لمض الصفيح بطلوها، فلا تعط نمرتك لكل من هب ودب.وتذكر دائماً أن الرجل الخالى ما بيتشويش، وفيه طوارق بتشويش... فأحذر من التشويش. والسلام ختام.
يعتقد الواحد منا أن نفسه في مرحلة ما مصابه بالسأم، السأم الذى يصعب وأحياناً لا يمكن علاجه، تتحول الكتب إلى صفحات من الأفكار والصور التى تنسخ بعضها البعض، تتحول السينما إلى مجموعة من الصور البراقة والتيمات الدرامية التى تكرر نفسها مع فرق المؤثرات الصوتية والبصرية، أما اللوحات فتتحول إلى أعمال مركبة تقدم أخبار صحفية يمكن لف سندوتشات الفول بها. تجد نفسك مضطراً لتخفيض تقيمك والعمل الذى تشاهده ولا يثير مللك أو امتعاضك يصبح"لطيف، جيد، ظريف".
دخلت هذه المرحلة منذ وقت طويل، ولم أجد علاجاً سوى الاستمرار في القراءة مع التثاؤب، والمشاهدة مع مقاومة النوم. عرفت أعمالاً جيدة بعضها عرفنى الكثير من الأشياء عن العالم المحيط بي، لكن منذ فترة طويلة لم أجد عملاً قادراً على إثارة الفكر، وتعليمي شيئاً جديداً عن نفسي.
تحتاج الكتابة عن فيلم "بابا عزيز.. الأمير السابح في روحه" إلى عشرات الصفحات، وكتابتها بصراحة ليست خسارة، لكنى ما أن حاولت حتى وجدتنى أحول الفيلم إلى عمل مبتذل، أنه واحده من الأعمال النادرة التى لا يمكن حكيها أو تلخيصها... شكراً ناصر خمير على هذه التجربة.

A:هـ
عارف ايه اوسخ حاجة في الدنيا ؟
هـ: عيوني
ممممم
زنقة الاوتوبيس في يوم رطوبة و تراب و حر
A: بسجهنم اشد حرا
هـ: بس مافيهاش اوتوبيس
A: معاكحق
A: عارف يا ع أيه أجمل حاجة في الدنيا؟
ع : ؟
A: الـــــــــــــــــــــــــــنــــــــــــــــــــــــــــوم
ع : :)
Recent comments
2 hours 44 min ago
5 hours 56 min ago
8 hours 12 min ago
8 hours 14 min ago
14 hours 31 min ago
16 hours 40 min ago
21 hours 33 min ago
1 day 6 hours ago
1 day 6 hours ago
1 day 7 hours ago